ابن كثير

39

البداية والنهاية

وما للمرء خير في حياة * إذا ما سد من سقط المتاعي ( 1 ) ذكرها صاحب الحماسة واستحسنها ابن خلكان كثيرا . وفيها توفي عبيد الله بن أبي بكرة رحمه الله وهو أمير الجيش الذي دخل بلاد الترك وقاتلوا رتبيل ملك الترك ، وقد قتل من جيشه خلق كثير مع شريح بن هانئ كما تقدم ذلك ، وقد دخل عبيد الله بن أبي بكرة على الحجاج مرة وفي يده خاتم فقال له الحجاج : وكم ختمت بخاتمك هذا ؟ قال على أربعين ألف ألف دينار ، قال ففيم أنفقتها ؟ قال : في اصطناع المعروف ، ورد الملهوف والمكافأة بالصناع وتزويج العقائل . وقيل إن عبيد الله عطش يوما فأخرجت له امرأة كوز ماء بارد فأعطاها ثلاثين ألفا ، وقيل إنه أهدي إليه وصيف ووصيفة وهو جالس بين أصحابه فقال لبعض أصحابه خذهما لك ، ثم فكر وقال : والله إن إيثار بعض الجلساء على بعض لشح قبيح ودناءة رديئة ، ثم قال يا غلام ادفع إلى كل واحد من جلسائي وصيفا ووصيفة ، فأحصى ذلك فكانوا ثمانين وصيفا ووصيفة توفي عبيد الله بن أبي بكرة ببست ( 2 ) وقيل بذرخ والله سبحانه وتعالى أعلم وأحلم ، والحمد لله رب العالمين . ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبوية ففيها كان السيل الجحاف ( 3 ) بمكة لأنه جحف على كل شئ فذهب به ، وحمل الحجاج من بطن مكة الجمال بما عليها ، والرجال والنساء لا يستطيع أحد أن ينقذهم منه ، وبلغ الماء إلى الحجون ، وغرق خلق كثير ، وقيل إنه ارتفع حتى كاد أن يغطي البيت والله أعلم . وحكى ابن جرير عن الواقدي أنه قال : كان بالبصرة في هذه السنة الطاعون ، والمشهور أنه كان في سنة تسع وستين كما تقدم . وفيها قطع المهلب بن أبي صفرة نهر بلخ ، وأقام بكش سنتين صابرا مصابرا للأعداء من الأتراك ، وجرت له معهم هناك فصول يطول ذكرها ، وفد عليه في غضون هذه المدة كتاب ابن الأشعث بخلعه الحجاج ، فبعثه المهلب برمته إلى الحجاج حتى قرأه ثم كان ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من حروب ابن الأشعث ، وفي هذه السنة جهز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة وغيرهما لقتال رتبيل ملك الترك ليقضوا منه ما كان من قتل جيش عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية ، فجهز أربعين ألفا من كل من المصرين عشرين ألفا ، وأمر على الجميع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع أنه كان الحجاج يبغضه جدا ، حتى قال ما رأيته قط إلا هممت

--> ( 1 ) انظر الأبيات في ابن خلكان 4 / 95 وشعر الخوارج مع تخريجها ص 122 - 123 . ( 2 ) بست : بالضم : مدينة بين سجستان وغزنين وهراة ، وأظنها من أعمال كابل ( معجم البلدان ) . ( 3 ) قال البلاذري : سيل الجحاف والجراف أيضا . والجحاف والجراف بمعنى واحد وهو الذي يجرف كل شئ ويذهب به ، وأشار البلاذري إلى أن السيل كان يوم الاثنين وذلك يوم التروية والحجاج آمنون غارون وقد نزلوا في وادي مكة ( انظر الأزرقي أخبار مكة 2 / 168 شفاء الغرام 2 / 261 ) .